الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

106

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والحرام : الشيء الممنوع ، قال عنترة : حرمت عليّ وليتها لم تحرم أي : منعت أي منعها أهلها . أي ممنوع على قرية قدّرنا إهلاكها أن لا يرجعوا ، ف حَرامٌ خبر مقدم و أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ في قوة مصدر مبتدأ . والخبر عن ( أنّ ) وصلتها لا يكون إلّا مقدّما ، كما ذكره ابن الحاجب في « أماليه » في ذكر هذه الآية . وفعل أَهْلَكْناها مستعمل في إرادة وقوع الفعل ، أي أردنا إهلاكها . والرجوع : العود إلى ما كان فيه المرء ؛ فيحتمل أن المراد رجوعهم عن الكفر فيتعين أن تكون ( لا ) في قوله تعالى : لا يَرْجِعُونَ زائدة للتوكيد ، لأن ( حرام ) في معنى النفي و ( لا ) نافية ونفي النفي إثبات ، فيصير المعنى منع عدم رجوعهم إلى الإيمان ، فيؤول إلى أنهم راجعون إلى الإيمان . وليس هذا بمراد فتعين أن المعنى : منع على قرية قدرنا هلاكها أن يرجعوا عن ضلالهم لأنه قد سبق تقدير هلاكها . وهذا إعلام بسنة اللّه تعالى في تصرفه في الأمم الخالية مقصود منه التعريض بتأييس فريق من المشركين من المصير إلى الإيمان وتهديدهم بالهلاك . وهؤلاء هم الذين قدّر اللّه هلاكهم يوم بدر بسيوف المؤمنين . ويجوز أن يراد رجوعهم إلى الآخرة بالبعث ، وهو المناسب لتفريعه على قوله تعالى : كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ [ الأنبياء : 93 ] فتكون ( لا ) نافية . والمعنى : ممنوع عدم رجوعهم إلى الآخرة الذي يزعمونه ، أي دعواهم باطلة ، أي فهم راجعون إلينا فمجازون على كفرهم ، فيكون إثباتا للبعث بنفي ضده ، وهو أبلغ من صريح الإثبات لأنه إثبات بطريق الملازمة فكأنه إثبات الشيء بحجة . ويفيد تأكيدا لقوله تعالى : كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ [ الأنبياء : 93 ] . وجملة أَهْلَكْناها إدماج للوعيد بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة . وفعل أَهْلَكْناها مستعمل في أصل معناه ، أي وقع إهلاكنا إياها . والمعنى : ما من قرية أهلكناها فانقرضت من الدنيا إلا وهم راجعون إلينا بالبعث . وقيل حَرامٌ اسم مشترك بين الممنوع والواجب ، وأنشدوا قول الخنساء : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوه إلا بكيت على صخر